محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

27

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

ثم تراخت بها الأيام ، أحقابا إلى أن استسلمت في النهاية إلى الحق ، فوزنت تاريخ العرب في بلادها بميزان جديد ، وانطلق الكتاب والمستعربون الإسبان يؤرخون للعهد العربي الإسلامي ، وهم يتوجعون لمحنة قاسية طال عليها الأمد ، وكظمت الأنفاس في عنف ، وبدأت الاعترافات تترى بالفضل لذويه ، وحسبنا ما قاله المستغرب الإسباني بيدرو مارتنيث مونتابيث « 1 » : « إن إسبانيا ما كان لها أن تدخل التاريخ الحضاري لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظل الإسلام وحضارته ، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى الأقطار الأوربية المجاورة المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والأمية والتخلف » . ويشهد الأديب الفرنسي الأشهر موسيو كلوت فارير أنه « 2 » : « في سنة ( 732 م ) حدثت فاجعة ربما كانت من أشأم الفجائع التي انقضت على الإنسانية في العصور الوسطى وكان منها أن غمرت العالم الغربي - مدة سبعة قرون أو ثمانية إن لم نقل أكثر طبقة عميقة من التوحش لم تبدأ بالتبدد إلّا على عهد النهضة . . . هذه الفاجعة هي التي أمقت حتى ذكرها ، وأعني بها الانتصار البغيض الذي ظفر به على مقربة من بواتييه أولئك المحاربون من الإفرنج بقيادة الكارولنجي شارل مارتل على كتائب العرب المسلمين الذين لم يحسن عبد الرحمن الغافقي جمعهم على ما ينبغي من الكثرة ، فانهزموا راجعين أدراجهم في ذلك اليوم المشؤوم تراجعت المدنية ثمانية قرون إلى الوراء ! يكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس أو بين الآثار العربية التي لا تزال تأخذ بالأبصار ممّا يبدو من عواصم السحر والخيال - إشبيلية وغرناطة وقرطبة وطليطلة - ليشاهد والألم لم آخذ منه ما عسى أن تكون بلادنا الفرنسية لو أنقذها الإسلام العمراني الفلسفي السلمي المتسامح ، وخلصها من الأهاويل التي لا أسماء لها ، وكان من ذلك أن

--> ( 1 ) حوار مع المستعرب الإسباني فيلبي مايوسالكادو ، مجلة رسالة الجهاد الليبية أكتوبر 1990 السنة التاسعة ص 83 . ( 2 ) عن الأدب الأندلسي تأثره وتأثيره ص 242 - 243 بتصرف .